عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

251

اللباب في علوم الكتاب

وثانيها : أنّ قادرية العبد بالنّسبة إلى فعل التّوبة وتركها إمّا أن يكون على السّويّة ، أو لا ، فإن كان على السّويّة لم يترجح فعل التّوبة على تركها إلا بمرجّح ، وذلك المرجح إن حدث لا عن محدث لزم نفي الصّانع ، وإن حدث عن العبد عاد التّقسيم ، وإن حدث عن اللّه تعالى فحينئذ إنّما أقبل العبد على التّوبة بمعونة اللّه وتقويته ، فتكون تلك العقوبة « 1 » إنعاما من اللّه تعالى على عبده ، وإنعام المولى على عبده لا يوجب أن ينعم عليه مرة أخرى فثبت أنّ صدور التّوبة عن العبد لا يوجب على اللّه القبول ، وإن كانت قادرية العبد لا تصلح للتّرك وللفعل ، فيكون القول بالوجوب أظهر بطلانا . ثالثها : التّوبة عبارة عن النّدم على ما مضى ، والعزم على التّرك في المستقبل والنّدم والعزم من باب الكراهات والإرادات وهما لا يحصلان باختيار العبد وإلّا افتقر في تحصيلهما إلى إرادة أخرى ولزم التّسلسل ، وإذا كان كذلك كان حصول هذا النّدم ، وهذا العزم بمحض تخليق اللّه تعالى ، وفعل اللّه لا يوجب على اللّه فعلا آخر فكان القول بالوجوب باطلا . ورابعها : أنّ التوبة فعل يحصل باختيار العبد على قولهم ، فلو صار ذلك علة للوجوب على اللّه تعالى وفعل اللّه تعالى ، لصار فعل العبد مؤثّرا في ذات اللّه تعالى وفي صفاته ، وذلك لا يقوله عاقل . والجواب عن حجتهم : أنّ اللّه تعالى وعد قبول التّوبة من المؤمنين ، وإذا وعد اللّه بشيء ، وكان الخلف في وعده محالا كان ذلك شبيها بالواجب ، فبهذا التأويل صح إطلاق كلمة عَلَى وبهذا يظهر الفرق بين قوله إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ وبين قوله فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ . فإن قيل : لما أخبر عن قبول التّوبة وكان ما أخبر اللّه تعالى وقوعه واجب الوقوع لزم منه ألّا يكون فاعلا مختارا . فالجواب : أنّ الإخبار عن الوقوع تبع للوقوع والوقوع تبع للإيقاع ، والتبع لا يغير الأصل ، فكان فاعلا مختارا في ذلك الإيقاع ، وأمّا قولكم بأن وقوع التّوبة من حيث إنّها هي مؤثرة في وجوب القبول على اللّه وذلك لا يقوله عاقل فظهر الفرق . قوله : ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ فهذا هو الشّرط الثّاني . قال السدي والكلبي : القريب أن يتوب في صحته قبل مرض موته « 2 » . وقال عكرمة : قبل الموت « 3 » .

--> ( 1 ) في ب : التقوية . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 8 / 93 ) عن السدي وأخرجه أيضا ( 8 / 94 ) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 8 / 94 ) عن عكرمة .